ابن قيم الجوزية

40

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى

الخندق ثم لم يفتني معه مشهد . ( فصل ) وكان ملك الشام أحد أكابر علمائهم بالنصرانية ( هر قل ) قد عرف أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حقا ، وعزم على الإسلام فأبى عليه عباد الصليب ، فخافهم على نفسه ، وضن بملكه مع علمه بأنه سينقل عنه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمته . ونحن نسوق قصته ، ففي الصحيحين من حديث عبد اللّه بن عباس ، أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه ، قال انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى هرقل ، وقد كان دحية ابن خليفة جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى ، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل ، فقال هرقل : هل هاهنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي ؟ قالوا نعم ، قال فدعيت في نفر من قريش ، فدخلنا على هرقل ، فاجلسنا بين يديه ، واجلسوا أصحابي خلفي ، فدعا بترجمانه فقال : قل لهم إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي فان كذبني فكذبوه ، فقال أبو سفيان وأيم اللّه لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت ، ثم قال لترجمانه : سله كيف حسبه فيكم ؟ قال قلت : هو فينا ذو حسب : قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا . قال : فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قلت لا ، قال ومن اتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم ، قلت : بل ضعفاؤهم ، قال أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت لا بل يزيدون ، قال فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له ؟ قال قلت لا ، قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت نعم ، قال فكيف كان قتالكم إياه ؟ قال قلت يكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه ، قال فهل يغدر ؟ قلت لا ونحن منه في مدة ما ندري ما هو صانع فيها ، قال فو اللّه ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه ، قال : فهل قال هذا القول أحد قبله ؟ قلت لا . قال لترجمانه قل له أني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب ، وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها ، وسألتك هل كان في آبائه ملك ؟ فزعمت أن لا ، فقلت لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه ، وسألتك عن اتباعه أضعفاؤهم أم أشرافهم ؟ فقلت بل ، ضعفاؤهم وهم اتباع الرسل . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ فزعمت أن لا ، فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على اللّه عز وجل ، وسألتك هل يرتد أحد